أحمد مصطفى المراغي
34
تفسير المراغي
ثم علل اجتراحه لتلك الجرائم ، وإزهاقه للأرواح البريئة بقوله : ( إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ومن ثم سولت له نفسه أن يفعل ما فعل من تلك الفظائع ، وقتل سلائل الأنبياء بلا جريمة ارتكبوها ، ولا ذنب جنوه ، وقد كانت هناك وسائل عديدة ليصل بها إلى اتقاء شرور اليهود بحسب ما يزعم ، وكان له فيها غنية عن سفك الدماء ، ولكن قساة القلوب غلاظ الأكباد تتوق نفوسهم إلى الولوغ في الدم ، ويجعلونه الترياق الشافي لحزازات نفوسهم ، وسخائم أفئدتهم . ثم ذكر سبحانه ما أكرم به هذه الأمة وما أتاح لها من السلطان الديني والدنيوي ، فتأسست لهم دولة عظيمة في بلاد الشام ، وصاروا يتصرفون في أرض مصر كما شاءوا فقال : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) أي ونريد أن نتفضل بإحساننا على من استضعفهم فرعون وأذلهم ، وننجيهم من بأسه ، ونريهم في أنفسهم وفي أعدائهم فوق ما يحبون ، وأكثر مما يؤملون . ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) مقتدى بهم في الدين والدنيا . ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ) لملك الشام لا ينازعهم فيه منازع ، وقد جاء في آية أخرى : « وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا » وفي ثالثة « كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ » . ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي ونسلطهم على أرض مصر يتصرفون فيها كيفما شاءوا بتأييدهم بكليم اللّه ثم بالأنبياء من بعده . ثم بين ما نال عدوهم من النكال والوبال فقال : ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ) أي ونرى أولئك الأقوياء والأعداء والألداء على أيدي بني إسرائيل من المذلة والهوان وما كانوا يتوقعونه من زوال الملك والسلطان على يد مولود منهم ، ولكن لا ينجى حذر من قدر ، فنفذ حكم اللّه الذي جرى به القلم من القدم على يد هذا الغلام الذي احترز من وجوده وقتل بسببه ألوفا من الولدان ، وكان منشؤه ومرباه على فراشه وفي داره ، وغذاؤه